في مصعد شفاف:
اعتدت منذ سنوات أن أنغمس تماما في جوف مقعد وثير، لأخفف عن قلبي الشعور بوخزات المشاعر المدبّبة، التي تتحرك عبر جلدي، وكأنها لعنات مسلطة من روح معذبة تريد أن يشاركها العذاب أحد، فلم تجد غير هذا الجسد المتهالك تنفذ عبره طعنات تخترقها كل يوم من كل اتجاه. حين جاءني الموت على طبق من هدوء، صادف زمن غدر مرعب، لم يستوعبه عقلي ولا مخيلتي المتشائمة، والمستعدة دائما لاسوا الاحوال.
أجلس مع نفسي بعد أن مات في عالمي كل شيء، أجلس معها لأني انفصلت عنها كثيرا، أنظر اليها كبطلة نص كئيب، نموذج للفشل والغباء، أطالعها وقد تآكلت تماما، وقد كشف عنها حجاب البصر، فرأت حقيقة من يحيطونها، تجلس في زاوية مظلمة في ركن البيت، تلملم أطرافها خائفة، تلاحق نظراتها أشباح تراهم يحيطونها بالرعب من كل اتجاه. هي تخاف مني حتى أنا، تخاف أن أنتقم منها، لأنها استحوذت علي، وجعلت من قلبي ملعبا للنصال، حتى فقد ملامحه، وفقدت معه هويتي، لكنني أشفق عليها فقط، إنها مهترئة تماما، بقي بيني وبينها شيء واحد، أحتاج أن أستعيده قبل أن أتركها في ركنها تموت حتى تتعفن، بقي صوتي…
في الغرفة التي تحتشد بحكايات الحزانى، أمرتني مختصة العلاج السلوكي بأن أرافقها في رحلة من خلف حجاب العقل، أبحث فيها عن صوتي، قالت إنه ما من أحد يمكنه أن يجد ذلك الصوت الهارب سواي، وأن كل ما يمكنها فعله هو أن تمسك بيدي في النفق الموحش! صعدت -متشبثة بيدها- المصعد الزجاجي الشفاف، وارتفع بنا طبقات عالية، عالية جدا، حتى تراءت لنا المدينة بكامل وجوهها، أوقفت المصعد، فتجولت بنظري في المدينة، من وسط الزحام برزت أضواء جامعة المدينة، تسارعت نبضات قلبي، رأيت في ممرات الجامعة شذرات محفوظة من صوتي، لا تزال تحتفظ بطزاجتها، في ظل الشجرة الضخمة، بفناء المكتبة، ما زالت همسات تهمهم بسورة الإسراء، مبللة بدموع وحشة، كنت اعتدت أن أختزنها طوال الليالي، ثم أترك الجميع يرحلون لمنازلهم حيث الحياة، وأبقى أنا مع تلك الشجرة، وحدي أبث أسراري للهواء الرطب، يخفي برطوبته آثار دموع باردة، لطالما سألتني عنها موظفات الأمن عند بوابات الجامعة، حتى مللن السؤال، اعتدن هذا المشهد أربع سنوات هي عمر صوتي في هذا المكان! لم تكن المشاهد الأخرى تستحق المشاهدة، كانت مجرد لقطات مقتطعة من قصص لم تكتمل أبدا!
طلبت منها الارتفاع أكثر، فتصاغرت المساحات وتقاربت المدن تحت عيوننا، وفي وسط الصحراء رأيت مسرحا آخر لصوتي، كثير من المشاهد كانت مجرد تنويعات على نغمة الوحشة، تتخللها وجوه أطفالي، بينما كنا نقاسي معا وحدنا في وسط تلك الصحراء الشاسعة. لم أستطع الكتابة أكثر، دموعي بللت الورقة، طلبت منها التوقف، وأغمضت عيوني بكلتا يدي، صرخت، سحبت عباءتي فغطيت بها وجهي، لا اريد أن أرى ذلك العذاب، هربت منه سنوات ولا أريد مواجهته ولو في الذاكرة!
عادت الليلة لتحملني في المصعد ذاته، هذه المرة طلبت مني أن أمسك بيدها جيدا، لأننا سنرتفع بسرعة عالية، وارتفعنا، هذه المرة استوقفتها أنا، أشرت إلى بقعة سرقتني من نفسي أياما من العمر، رجحت فيها السكينة بكفة الميزان، هناك، على شاطيء رملي تمشيت على رماله، في أول ليلة غفوت فيها على صوت السكينة، شاطيء أحببناه معا، ورددنا اسمه في كل مرة تخلّل همساتنا النعاس، كان صوتي في تلك البقعة همسا خفيفا بالكاد استطعت سماعه، لكني كتبته بدموع صامتة، وقد أخفضت راسي على صدري، وضعت الدفتر على السرير جانبا، أنصت لروحي، نسمات سكينة تمر بوجهي، إنها نسمات شواطيء المالديف، نقية، طازجة، دافئة، لا تزال تحتفظ برائحة براءتي، وفرح طفولي كنت أشهده اليها ينمو كل ليلة! تلك الليلة لم أكتب المزيد، كانت روحي ترغب بشدة أن تتقلب في رمال المالديف، تتمرغ في دفئها وتغفو!
هذه ليلة أخرى، أشعر بألم شديد في موضع القلب، طلبت منها أن تضمني، دفنت وجهي في ملابس الطبيبة، زيها الابيض يشبه لون ثوبه، حين ضمني لحظة الوداع، بكيت طويلا، أجهشت بالبكاء، ألم قلبي يزداد، اختنقت انفاسي وحاولت التكلم، عيوني ملئى برعب رهيب، ولم أستطع أن أفلت يدها من يدي. جاءت ممرضة وحقنتني بمهديء، كتبت لها اني يجب ان اعود لبيتي الليلة، قالت إن مفعول المهدئ لن يطول، نمت قليلا، وحين صحوت، أقسم أني رأيت أثاث الغرفة نفسها، ليس خيالا، سألتها عما يحدث، هل هناك مشكلة في إدراكي البصري، كدت أن أقع حين حاولت الجلوس على مقعد لم يكن موجودا، سبق أن فعلت في اليوم الأول من زيارتي لها.
كتبت لها أنى أرى أشياء لا أدري إن كانت حقيقية أو لا، طلبت مني أن ألازم السرير حتى يستقر أمر بصري. كان اثر المهدئ لا يزال يحوم برأسي، ولذلك كنت قادرة على الكتابة، رسمت فقط، رسمت غرفة بثلاثة مقاعد وشاشة تلفزيون، وكتبت أن روحي الآن لا تحتاج أذني ولا عيني، بل تحتاج جسدي، يا الله! أنقذني من هذا الجحيم، مسامات وجهي ويدي وشفتي، تشعل بروحي ألما لا يطاق، لا يطاق، اريد الرحيل فورا من هذا المكان، أصرت هي ان أبقى وأكتب المزيد…
ماذا أكتب؟
كنت طول الوقت أهرب من هذه اللحظة، لا أستطيع مواجهتها، ليلتين من الحياة في نعيم، أظهرت حجم الجحيم الذي عشته بعدهما، ليتها لم تكن تلك الليلتين. ظللت أكتب بعصبية، ظننت أني لو كتبت كثيرا سأغادر تلك الليلتين في الدفتر وأمزقهما للأبد،
لكن ما هكذا يسير الواقع، ففي الواقع، هناك تماما فقدت صوتي، كانت تلك آخر كلمات أدين بها للحياة، وحين انتهى زمنها انتهيت انا، وصار وجودي بلا معنى، والصوت يتبع المعنى.
لم أعد أكترث لاي شيء، عن أي شيء يريدونني أن أتكلم، وما هذه الحروف إلا مزيدا من تجربة الموت، مزيدا من الاعتراف بالموت. قالت طبيبتي: هذا ما نريد يا……..// صرخت في وجهها، الصوت الوحيد الذي يصدر مني هو الصراخ، وبعض الكلمات الموجزة، أردّ على سؤال بلا أو نعم. لا أريد أن ينطق هذا الاسم أحد، أكرهه لأنه يفوح بعفن الموت، قالت لي: ما نريده هو أن تتقبلي موت ذلك الزمن، نعم معك حق، لقد مات وانتهى، وأمسكت بيدي، قالت لي: تعالي إلى نافذة البناية، كانت بناية المستشفى مكونة من أربعة طوابق أو خمسة، وكنا في الرابع منها، قالت انظري للأسفل، هل ترين السيارات المغادرة؟ بألوانها واحجامها؟ تعالي نضع في كل واحدة منها أشخاصا أو أشياء، ونتركها ترحل للأبد.
كتبت لها، إنني أول شخص يجب أن يرحل، قالت: لا بأس، سنختار لك سيارة بصندوق، لأن ما سيرحل منك سيكون ميتا ويحتاج لكفن لائق وتابوت، سألتها: لكني أكره هذا الذي مات مني، لأنه سبب لي ألما لا يحتمل، ظلت تقنعني أنه لا ذنب لهذا الذي مات منك لأنه لم يختر الموت… واتفقنا اننا في الجلسات المقبلة سنراجع اشياء تتعلق بالميت، وسنتحقق من أنه مات ضحية وليس جانيا، ونودعه ليذهب بلاعودة. سالتها متى سيحدث هذا؟ ان كان ممكن الحدوث؟ قالت إن هذا يتطلب وقتا وجهدا وألما يشبه ألم فراق والديك، لأن ما ستودعينه هو شيء من نفسك، وهي نفس طيبة ونقية وخسارة حقيقية، لكنه القدر!
لم يأت الغد، وسأظل أتفجع من أشباح الفقد، حتى أرتمي مجددا في حضن تلك الطبيبة، طلبت منها في المرات القادمة ألا تلبس معطفا أبيضا!
ــــــــــــــــــــ