الباب المكسور/4

البيت:

كانت تلك السنة تحمل لنا الكثير من المفاجآت، خلالها تقرر الانتقال إلى بيت جديد نمتلكه أخيرا، أخيرا لن نتعذب لوقع ضحكات أبي الساخرة سخرية مريرة اخر الشهر، حين يحلّ موعد دفع الأجرة، لن تذبح طفولتنا تقطيبة أمي الدامعة ورجاءاتها المتجمعة في عينيها ساعة ارتفاع الأذان، حيث نضع أيدينا على آذاننا وأعيننا، كمن يتقي صوت قنبلة ويهرب من شظاياها! لم تكن علاقتنا بهما علاقة سطحية، آمر ومأمور، مصدر للنفقة أو  مصدر للدلال، كانا بالنسبة لنا توأمي الحجر الاسود، منزلين من الجنة، بهما مس من القداسة لا يمكن وصفه! لهذا كان أمر غيابهما أمر مستبعد تماما، ولم نفكر فيه مرة ولو على سبيل التخيلات المستحيلة، ولهذا سيكون موتهما ليس كالموت، لن يكون موتا ابدا، سنشعر به وندركه كغياب فقط، ارتفاع عن الدنيا لأنها أصبحت أسوأ من أن يحتملاها بروحي قديسين!

في غضون شهور، خلا المنزل سوى مني ومن أختي، كنا على نقيض تماما في طباعنا وفي انشغالاتنا، وسرعان ما اتخذت كل منا ركنا من المنزل منعزلا عن الآخر، ركنها مؤثث بكل علامات الأنوثة المتوثبة، أكوام من الثياب والزينة، أما ركني فكان مصنعا ومستودعا للأفكار، أفكار تكتب وأفكار تقرأ وأفكار ترسل وأفكار ترسم وأخرى تجسد، كل وسائل صناعة الأفكار وتخزينها كانت موجودة في تلك الغرفة المكونة من جزئين، جزء للنوم، وجزء للتفكير.

كان المكتب يشغل ركنا كبيرا من الغرفة، فوقه جهاز فاكس، وهاتف، وخلفه رفوف تحمل دفاتر فارغة سرعان ما تمتليء وتتكدس وتتحضر للترتيب والتصنيف والارشفة التي لا تنتهي أبدا إلا لتبدأ من جديد، بجانب المكتب لوح للرسم: بعد رحلة مع الألوان انتهيت إلى أن اللون الأسود بعلاقاته مع البياض هما اللونان الوحيدان اللذان يصنعان الأفكار الحقيقية، الألوان مجرد وسيلة للتمويه وتغيير الحقائق، هكذا فكرت وأنا أدور بعيني في القرطاسية أبحث عن ألوان الفحم بأغلى الأسعار.

لم أتوقع ان أكون ضحيتهم، وقد رأيتهم من قبل كيف يجتمعون على الجثث الهامدة، تتلمظ شفاههم لمرأى الأطراف المرتعشة، يحزنون إذا خمدت الأطراف، لا لخمود الحياة، بل لانقطاع شريط الارتعاشات، تلك التي تبهجهم في مشاهدتها حد الاستغراق ..

رأيتهم من قبل كيف ينشغلون بالعبث في فتحات الجروح، بأدوات يعرفونها واخرى يبتكرونها، وبقدر ما يكون الجرح طازجا ومبتكرا تكون اللعبة أمتع، حاولت أن أجعل لاشمئزازي منهم صوتا، سكتُّ كثيرا واكتفيت مرات بالنزيف، لكنني لم أستطع قط : الكلام …

فاصل:

هل هو مقدور على كل من له إحساس، أن يملك مصيره من لا إحساس له ؟ هل من سنن الحياة أن ثمن العينين أن تسلم قيادك إلى من لا عيون له ؟

لم يكن في الحسبان أنى سأضطر يوما من الأيام إلى استعمال كل أحرف النفي هاته، ذلك لأني لم أكن لأتصور أن يتجسد النفي بشرا سويا، حتى كان، فكنته ..

النفي، المنفى، النفاية، كلها امتزجت في دمي للحظات، عقاقير النوم لم تغير من المعادلة شيئا، الصمت واللامبالاة الطويلة لم تغير شيئا كذلك، وطال علي الأمد، ولم أجد لرسائلي عنوانا تصل إليه، وليس ثمة من يتذوق نبيذ الألم بصحبتي إلا نفسي.

لو سئلت قبل الآن! لو سئلت ما معنى الضياع، لما عرفت له وصفا، ولوقفت أردد الفكر، بين معنى من معاني الفناء ولفظ من ألفاظ النفي، لكنني اليوم أعيشه نفيا لا يستنفذ معناه أبدا، ذلك الضياع الذي هو التموضع في اللاموضع، في المنفى بين فنائين،

ويظل القوس مفتوحا، والوتر مشدودا، ولا مرمى غير صدري …

الموت قهرا:

 كان من عادتي ان أطلق اقدامي للريح ساعة ان أحس بأثر أي حركة في رأسي، أرتاد الاسواق، أو  أنهمك في تنظيف حجرتي، أو أتقمص شخصية البنت البارة، أو  التلميذة المثالية، المهم أن تخمد هذه الحركة الناشئة قبل أن تتطور وتصنع -خطأ- جزءا من مسيرة، تقتضي اياما من الخضوع لعبء لم أعد أحتمله مؤخرا، وأنا الشابة الصغيرة على التعب كما يقول اصدقائي الكبار!

اكتشفت يومها أني وجدت طريقة جديدة للبكاء، بحثت عن نفسي في القصص، كنت أجرب بناء نفسي كل مرة في شخصية مختلفة، فأرثي لها أو أفرح معها، أو أسخر منها، كان الحوار مع ذاتي آخر أفضل حل للغموض الفادح والفوضى العارمة في عقلي، هكذا قررت أن أضعها بين قوسين كلما همّ بي الهلع.

صباح مبعثر بين العقل والقلب، أمي تكرر الاتصال كل ساعة، تناقشني في لون ثوب الخطوبة، والدكتور محجوب ينتظر مني تسليم المشروع خلال يومين، وأشتكي من تصلب فقار الرقبة جراء العكوف مشدودة الأعصاب لساعات على الأوراق. لولا بيروقراطية نادية الفارغة كنت وجدت وقتا للحديث معه، كنت سأعرف عنه أي شيء قبل أن أقترن به للأبد! كانت طقوس خطبتي له تقليدية، هجس بها صغار العائلة قبل كبارها، فلان مكتوب في باطن كف فلانة!            فرصتي في إعداد مقبلات خيال تلائم حفلة حياتي معه منعدمة، ليس لدينا امتحانات، ولا تعترف أمي بأن المشاريع المطلوبة في كل مادة تفوق الامتحان ألف مرة في صعوبتها، يجب أن أكون في جدة بعد أربعة أيام وعشر ساعات من الآن، بصرف النظر عن أي ظرف، حيث سأشغل دور العروس في أحد أشد مشاهد الحياة عشوائية، رغم ما أُنفق في التخطيط له من ساعات يصطرع فيها سواد الآلام وبياض الآمال!

–         التفاحي لون الفرح (قالت منى)

–         لكني أعشق الأرجواني

–         يا شيخة بلا غم، الفضي يعطي فخامة وبعد أعمق للمستقبل (قاطعتنا نوف) وأمي تنتظر على الهاتف

–         خلاص يمه، خليه فضي، والموديل على ذوقك الحلو

     ما من قصة لتكتب! لكنها ليست قصتي بل قصتها، أمي! في تلك الليلة قررت أن تحقن كينونتها في كل شيء حولها، فغيرت أثاث المنزل، مع أنه كان جديدا، ورمّمته بالكامل، حتى صار تحفة لم تكن موجودة من قبل في المكان ذاته، وانتظرت اللحظة التي تنتظرها منذ زواجها قبل اكثر من 35 عاما، اللحظة التي يوقّع فيها أخوها الأكبر أمر وجودها من جديد، بحضوره عقد قران ابنتيها من ابنيه، لكنه لم يشأ. قرر خالي أنه ما من ضرورة ليحضر عقد القران، عرف بذلك بقية أخوالي لكن الحرج ألجم ألسنتهم عن الكلام، وعرفت جدتي، فقررت ألا تترك الأمل الكاذب يستخف بقلب امي، وصارحتها.

       في ذروة قلق امي من تأخر الخال صعدت لحجرتها، بينما تتسامر المدعوات وتدور فناجين القهوة، صعدت خلفها جدتي، نزلت امي بسرعة كما لو كان سيفوتها موعد، وجهها يكسوه حزن ممزوج بذهول،  صلت العشاء مرتدية أجمل أثوابها، وجلست بين أعز رفيقتين لها، أمسكت بفنجان قهوتها، كان آخر عهدها بالقهوة وبالحياة، لفظت أنفاسها الأخيرة!

كانت فجيعة يعجز القلم ومعاجم اللغة أن تحيط بوصفها، كنت وأختي  في مشغل زينة، نتحضر للحفل، كانت ال(الكوافيرة)، تحاول رسم الكحل على عيني، وكانت عيني تدمع بلا سبب، وتفسد محاولاتها، تلك الدموع وجدت لها سببا عندما وردني اتصال من أخي، يسألني عن سبب تأخرنا، فعلمت يقينا أن هناك خطبا يحاول إخفاءه، أخبرت أختي فانطلقنا حالا للمنزل، في سيارة اجرة، لم نحتمل الانتظار لحين يأتي احد إخوتي لإقلالنا. حين شارفنا على الوصول واجهتنا عربة الإسعاف، نزلنا مشدوهتين، لحقت أختي بالعربة واستقلتها برفقة أختي الأخرى وأخي. أما أنا فلم تسعفني قدماي للركض، فدخلت البيت أجرّ خطواتي ويسندني الآخرون.

ثلاثة أيام تلت الفاجعة رافقتنا فيها خالاتي، نعيش حالة إنكار ممزوجة بالهزيمة أمام صولة القدر، نستقبل المعزّين في ذهول، ونأوي إلى أسرّتنا خانعين مخذولين، امتد ذلك الحال شهورا طويلة، جثمت الوحشة على صدر أبي فانتقل إلى بيت أختي الكبرى، اتفق إخوتي اتفاقا غير مكتوب ولا منطوق، اتفقوا أن يهجروا المنزل، فبقيت أنا وأختي وحدنا نصارع الوحشة، لولا الأنس الذي وجدته برفقة أخي وزوجته. أما أختي فكانت دائما ما تلوذ برفقة صديقاتها، تقضي معظم وقتها برفقتهن، وتترك لي ذاكرة المنزل الممتلئة بعطر أمي وخطواتها، كنت أنام في سريرها أحتضن دفتر يومياتي، وأستحضر طيفها بجواري، فيطرق الشعر باب قلبي!

وماتت أمي قهرا، من جفوة الأحبة، ومن قسوة الأخ الذي كان لها بمكانة الوالد، نشأت أمي يتيمة، ماتت أمها وهي رضيعة، ثم مات أبوها ولم تكمل السادسة من عمرها، وتولى خالي الأكبر مكان والده، بمثابة الأب لإخوته والقيّم عليهم. توفي جدي عن ثلاث زوجات، رابعتهن جدتي لامي التي توفيت قبله بسنوات، وكان أخوالي وخالاتي أشقاء، إلا أمي، توفيت شقيقتها الوحيدة وهي طفلة لم تبلغ الرشد، فبقيت وحيدة منكسرة امام البقية من إخوتها. بعد مدة لا أتذكرها ـ من روايات جدتي ـ قرر خالها أخذها لبيته، تبناها ورباها مع أبنائه، جدتي التي تكرر ذكرها هي زوجة خال امي، وهي من تولت تربيتها، فكانت لها نعم الأم، وظلت تحتضن أمي حتى رافقتها ليلة اختطاف الموت امي، بكت جدتي أمي كما لم تبك ابنتها من صلبها التي ماتت هي الأخرى أمام نظرها بعد سنوات قليلة من وفاة امي. وحين ماتت جدتي بعد سنوات أغلقت معها صفحات كتاب الحنين، وفارقتنا رائحة أمي، ولم يبق منها غير عبق الأخوة التي تجمعنا أنا وإخوتي، حريصين أن نلتف جميعا متمسكين بحبل العلاقة الممتدة من لدن أمي وأبي، محاولين أن نورثه لأبنائنا من بعدنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

……………………………

ربما يعجبك أيضا