قبلة أخيرة

أقرأ “شرق الوادي”[1]، ولا أدري كيف سأدرجها في كتابي، فلم تقع عيني على شيء يميزها، بل أراها سردا يفتقد للحبكة التي أبحث عنها، أو هكذا خيّل لي، ربما كنت أبحث عن نفسي في القصص، أنا بحاجة للغوص في رواية مميزة فيها بطلة تشبهني، فمنذ زمن بعيد فقدت ملامحي، في نسيان طويل وبارد. حين يستبد بي الحزن تؤويني القصص، كنت قد اتخذت الكتب منذ الطفولة فراشا وغطاء، في ليالي الخوف الطويلة، وفي أعماق الحزن الثقيل، تمتد من جوفها الأيادي، تسندني مرة وتهوي بي مرات. يهزني انكسار الشخوص فأتخلص من الرثاء لنفسي، لكني أكره الضعف، يجب أن يكون بطلي قويا، يقنعني بأن الفشل ليس النهاية، بل هو معبر لبداية جديدة! بطل مثل بطل “الخيميائي”[2]، يبعث في جمود أيامي الدهشة، الهوس باﻻكتشاف والسفر للمجهول، بطل مثل “جاك القدري”[3] يقنعني بأﻻ أتساءل كثيرا عن الحقيقة، فقد تكون أي شيء وكل شيء، لكني لم أقرأ من زمن طويل، ربما رهبة مما سأكتشفه عن نفسي مع كل قراءة.

“اختبئي بين السطور”، هكذا علمني (أبي) من دون أن يتكلم، كان ينهمك في قراءة الصحف، ويتابع الأخبار والبرامج الثقافية، كان يقرأ علينا سيرة أبي زيد الهلالي، وأبياتا للزير سالم، كان يحفظ تاريخ القبائل، ويحب أن يروي لنا من ذاكرته قصائد خالدة، يعلمنا أن اللغة حاضنة الفكر، والإنسان يعيش فيها ويقتاتها، كنت أحمل المجلات التي أستعيرها من مكتبة المدرسة، أو من زميلاتي، وأجلس بجانب سريره أقرأ الشعر بنهم، وكان يشاركني القراءة أحيانا فأسعد بهذه المشاركة ويملؤني الزهو، بأن أبي يفخر بي، كان قدوتي في ألمعيته وسرعة بديهته، وفي شغفه بالمعرفة وفي سخريته بالسطحية التي تغلف حياة الناس، وبالغباء المنتشر والمعدي كالجذام.

 لا يزال أبي أعظم ملهم لي، لا أزال أستجدي الذاكرة تفاصيل وجهه ونبرة ضحكاته، وحين يتكاثر التافهون حولي أجد عقلي يخترع الذكريات مع والدي، يضاعفها ويستنسخها، ويحللها ليصنع جدارا يمنعهم من اختراق عالمي. صورة والدي، أفكاره، سخريته من العالم، عزلته الاضطرارية، حين يكتظ المجلس بالكاذبين، تزعجهم صراحته الحادة، يختارون السقوط، ويعتصم هو بالعزلة. رحل وأنا في القاع من التعب، كنت أحمل طفليّ من مدينة لمدينة، أكابد السفر لأحقق حلمي في الحصول على أعلى الشهادات، وبين عيني صورة والدي يفخر بي ويشجعني.

 لا تفارقني صورته متمددا على فراش المرض، تسوء حالته، يتهامس إخوتي بينهم وفي حديثهم مع الأطباء، لا يريدون أن يفهم علّته، يشفقون عليه وهو يشعر بشفقتهم فتلمع في عينيه دمعات يختلط فيها الكبرياء بالضعف، يضطرب في صدره الخوف من مجهول يشعر به ولا يجرؤ على السؤال، فيزيد اضطراب أنفاسه ويغرق في الخفقان. لا يزال يأكلني الندم لأنني لم أقبّل جبينه القبلة الأخيرة، كنت يومها أتخبط في مطار الرياض، أصرخ في وجه أخي، أرجوه ألا يواروه التراب قبل أن أودعه، وكانوا قد أخذوه للحرم المكي للصلاة عليه بينما أنا أفقد عقلي في مطار جدة، بلا أمل في تقبيل كفيه للمرة الأخيرة.

 لم أكن أفكر في السفر مطلقا، وهو على فراش المرض، لكنه ألحّ علي أن أفعل في آخر لقاء بيننا، وضعت يدي على جبينه، فهمس لي بأن أسافر لأسلم رسالة الماجستير لجامعتي في الرياض، سألني برضاه عني وليته لم يفعل! كان يعرف كم كلفتني هذه الرسالة! خلال سنوات من الوحشة التي جمعتني بوالدي، كنت أقضي الليل بجانب سريره في المنزل، أهز ابنتي في مهدها، ويشاغبني ابني، أكتب فصلا وأمزق فصلا، ألهث خلف الأفكار. كان يشاهدني أحبس أنفاسي حين ينام ابني لأحصل على بعض الهدوء، لأفكر، وفي بحر الهدوء يجد الحزن طريقه لقلبي ويفترش الحزن وجهي. أبي وأنا والمنزل انفردت بنا الوحشة بعد رحيل أمي، وجمعنا الانكسار.

………………


[1] رواية للروائي السعودي تركي الحمد

[2] رواية للروائي باولو كويلو

[3] شخصية رئيسة في رواية باسمه “جاك القدري” للفيلسوف الفرنسي ديدرو

ربما يعجبك أيضا