الباب المكسور/7

سيرة:

ها أنا أفتح ما أسميه سيرتي، مرت سنتين منذ فعلتها آخر مرة، حيث نضبت آخر طموحاتي في العيش بسلام، من حينها لم أمتلك دافعا لفعل أي شيء، استطال الفراغ حتى احتل كامل مساحات الروح، وتغوّل إحساس اللاجدوى والتهم الساعات والأيام والشهور، وهو ماض ليفترس السنة السادسة منذ شعرت آخر مرة بمذاق الإنجاز.

أقاوم كل يوم هجمات الوحشة التي تصحب الفراغ، أحتار بين حاجتي للهدوء وخوفي منه، فأجد ملاذي بين قلوب اخوتي واخواتي، الكنز الذي خلفه أبي وأمي رحمهما الله، أتجاوز كل يوم على حدة، أختصر أفق حياتي وتوقعاتي لتنحصر في اليوم والليلة الواحدة، أصحو وفي ذهني سؤال واحد لا ثاني له، أي أخواتي تستقبلني الليلة؟! يوما بيوم وليلة بليلة، هكذا أقطع مفاوز الوحشة.

باب الامل موارب، انفتح قليلا منذ اسبوع، وها أنا أحاول النفوذ من تلك الانفراجة الصغيرة، كل ليلة أقف أمام الباب، أطرق بخفة، وأنظر بصعوبة لمساحة الامل الشاسعة، أبحث عن أفق للأمل، ويرتدّ لي طرفي اذ ليس للأمل نهاية، فما من أفق!   وينفتح الباب شيئا فشيئا، لا أرغب في اقتحام ذاكرتي، ولا القفز فوقها.

بعد ست سنوات من الهروب من الواقع، من الرضوخ للحزن، والخوف، تحت وطأة الاكتئاب والهوس[1]، يتعاقبان على افتراس أيامي وليالي، وجدت نفسي أتنفس بعمق، انفتحت مجاري الهواء نحو رئتي، وزادت انفراجة باب الأمل، الأمل في العودة لذاتي المكبلة بالصمت الفادح، منذ سنوات ست، فقررت اغتنام هذه الفرصة، وبدأت التخطيط للسير نحو الأمام، وأغلال الخوف من المجهول تتفكك خطوة بعد خطوة، لا أريد رفع سقف توقعاتي تجنبا للخيبة، فأسير ببطء، لكن بتوازن.

خطوتي الأولى كانت البحث عن الرفاق، شركاء الطموح والمستقبل، وعن الأصدقاء شركاء الذاكرة حيث هم العلامات لمراحل الحياة. تواصلت أولا مع صديقة الصبى والشباب الغضّ، حيث هي تكاد أن تكون مرآة لذاتي، ودعوت نفسي لمنزلها، حيث الخطوة المصيرية، البدء من حيث توقف بي الزمن، طلبت منها أن تنعش المساحات الخصبة بالبهجة من ذاكرتي المدفونة تحت ركام النسيان. في منزلها وجدت اثنتين من رفيقات الطموح،  شعرت بأنها خطوتي الأولى للعودة، لاتخاذ موقع في خارطة الواقع.

 الفجوة بيني وبينهن كبيرة، ست سنوات من التوقف عن الحياة، اختطف عقلي منذ ست سنوات، وتوقفت عن محاولة فهم ما يجري، من ذبول قلبي، وذهول أفكاري، وبهتان ذاكرتي، لكني قررت أن أبدأ من حيث توقفت، من حيث جرى اقتلاع حياتي من جذورها، وغرسها في تربة غريبة لم تستطع التأقلم معها، فظلت بلا جذور تعصف بها رياح الخوف والغربة، وتتقاذفها في كل الاتجاهات.

قررت البدء من حيث توقف بي الزمن، فالطريق للمستقبل يبدأ من حيث تتوقف الذاكرة.

كان المكان الأخير بيت أختي، في زاوية من مجلسها، ألاعب قطتها الفاتنة، لحظة جاءني الاتصال من رقم هاتف غريب، الاتصال الذي غير أقداري، وانعطف بي خارجة عن مسار الزمن.  قدم المتصل نفسه ممثلا لجهة نافذة، يبلغني بترشيح اسمي للانضمام لهيئة عليا، عضوا في دائرة صناعة القرار الوطني. حسبته أحد اخوتي مازحا يحاول رسم ابتسامة على وجهي في ليلة اكتنفتني فيها الكآبة، فظهرت على وجهي وفي حركات جسدي البطيئة، وفي انحناء ظهري تحت وطأة حزن مجهول السبب، على كل حال أبديت موافقتي على هذا للترشيح، مجاراة للمقلب السخيف.

أقفلت الخط منتظرة اتصال آخر يعترف فيه المتصل بأنه مقلب ثقيل، لكن انتظاري كان بلا طائل، حيث أقسم اخي أن هذا المقلب ليس من صنعه -كنا متفقين على أنه مقلب سخيف وبانتظار اعتراف صاحبه- فتابعنا جلستنا حول دلة من القهوة العربية، أنعشت قلبي، ونسيت الاتصال. كانت سهرة خميسية رائعة، حافلة بعبق الأخوة، نتبادل فيها مزيجا من الشكوى من وقائع الحياة العملية والشخصية ثم نردمها بالضحك والسخرية من الواقع.

في الليلة التالية اشتكى ابني من بعض ألم، فرافقته لمستوصف قريب من المنزل، وبينما نحن جالسون بانتظار الدخول إلى الطبيب، إذا بهاتفي يرن، كانت اختي على الجانب الاخر، وخلفها ضجيج مزيج من صيحات، هلعت بسببها، قبل ان تسوق لي ما تعده بشرى:

  • اسمك ظهر في القناة الإخبارية الرسمية، مبروك، تختلط بنبرة دهشة.

 قائمة تضم مئة وخمسين اسما، مرتبة ترتيبا هجائيا، قفز باسمي لأعلى القائمة. كنت مشغولة القلب بقلقي على ابني، فلم أعبأ بهذا الخبر، كنت متأكدة من أنه مجرد تشابه أسماء، حتى لو كان التشابه في الاسم الرباعي كاملا! في اليوم التالي جاء الاتصال الثاني، مؤكدا الخبر مرفقا بسيرتي الذاتية، وتتوالى الأحداث سريعا، حتى وجدت نفسي على متن طائرة باتجاه الرياض.

كان الموقف مهيبا، نقف على صفوف بوقار مختلط بحماس، نستمع إلى الخطاب الملكي، نتبادل الأسماء بأصوات خافتة ونتقاذف الهيبة بإشارات وايماءات لطيفة، وانتهت جولات ذلك اليوم مبشرة بمسؤولية كبرى، وأمانة ثقيلة.

أمضيت الليلة الأولى في فندق قريب من موقع العمل، كانت الأحداث تتسارع، مخلفة عواصف من الأفكار، والقرارات المتسرعة، كان ذلك إيذان بقدوم نوبة هوس خفيفة، صاحبها القلق من ثقل المهمة، بالكاد أجمع شتات الافكار، أفكر في المسؤولية التي وضعت على عاتقي، وفي أبنائي الذين هم بأشد الحاجة لي، بينما علي أن أتركهم أياما عديدة في الشهر، يقتسمون الوقت مع العمل، كان علي ان أتنقل بين جدة حيث أسكن وأبنائي، والرياض حيث أعمل.

على مكتب أنيق في غرفة فاخرة، مجهزة بكل الوسائل التقنية بشكل يتوازى مع تشعب المهام، جلست أتصفح خطابات التهنئة التي وردتني من كل مكان، وأتفكر في كون هذا الحدث موضع تهنئة أو هو موضع نصيحة تخفف من ثقل المسؤولية، كنت أرى اختياري لهذا العمل امتحانا وتكليفا، وكان  الآخرون يرونه تشريفا يستحق التهنئة.

في اليوم الأول دخلت قاعة الاجتماعات، تعلوها الهيبة، تتراص المقاعد في صفوف تشكل في مجموعها نصف دائرة، تلتف مواجهة للمنصة، التي يشغلها الرئيس ومعاونوه. بسم الله، افتتحت الجلسة الأولى، وتوالت الجلسات، بعد كل اجتماع اعود لفندقي بكومة من الأوراق، وصفوف من المهام، التي تستغرق كل الوقت، فتشغل جوارحي عن أبنائي، وتحبسني في صراع بين مسؤولياتي، تزدحم المهام، وتهب عليها عواصف الأفكار فتحولها لأعاصير، يتغذى عليها الهوس، والهوس بدوره يحول حياتي لجحيم، بؤرتها عقلي، وألسنة لهبها تطال كل ما هو جميل في حياتي.

بعد انهماك شديد في العمل، وجهد مضن في متابعة الأحداث والاستماع لمشاكل الناس، وجدت نفسي فجأة في منتصف المسافة بين السماء والأرض، يداي لا تطال السماء ورجلاي لا تلامس الارض، أقاوم الرياح الهوجاء، ونعم، هذا هو الهوس بئس السجان، والسجن رأسي، يتعاقب معه الاكتئاب، الذي يجرني لقاع الأرض، ويحشرني في أنفاق الخوف المظلمة.

هكذا بين ليلة وضحاها فقدت آخر خيوط علاقتي بالواقع من حولي، وصرت أجلس في الاجتماعات جسدا بلا روح، فكرت حينها في الاعتذار عن مواصلة العمل، كتبت حينها رسالة للرئيس أشرح فيها هزيمتي أمام ثنائي القطب، المرض الذي قيل لي يوما أنه مرض المبدعين (عرفت بعدها أنها كذبة يرددها الأطباء لرفع معنويات المرضى)، ونعم صادف أني مبدعة تعرضت للخطف من عالمها السحري، ففقدت القدرة على تمييز الأشياء، فضلا عن الكتابة عنها، ودخلت في دهاليز مرض المبدعين، يشاركني ظلامي الخوف واليأس والوحشة الكاسرة.

انتهيت من انتدابي العملي وقد استغرق من عمري أربع سنوات ملأى بالدروس، عدت بعدها إلى عملي بالجامعة، وهناك واجهت الحقيقة الفاجعة، حين فتحت جهاز الكمبيوتر بمكتبي، فكانت شاشته عبارة عن طلاسم لا أفقه فيها شيئا، وعدت للمنزل فتحت جهازي المنزلي، فانفجرت على شاشته براكين من الاستفهامات، فقدت كل ما كنت اتقنه من مهارات تقنية، وبحثت عن الشغف فوجدته لا يزال يصارع الظلام في أنفاق الخوف والذهول، واستمر فقدان الشغف فلم أستطع استرجاع تلك المهارات، فقدت الشغف بالكتابة وبالقراءة وبكل ما كان يشعل قلبي حماسة وسعادة، ثم استسلمت للواقع، وتقبلت هزيمتي بشجاعة، وانكفأت على غربتي، غير ان شيئا تحت ركام الذهول كان يدعوني للبحث عن ذاتي. وكنت أقف يوميا على أطلال السعادة الذبيحة، أتصفح قصاصات كتاباتي واتأمل لوحاتي واختار من مكتبتي ما خف وزنه وغلا ثمنه من قلائد الفكر، ووضعت كل ذلك في غرفة المعيشة، أملا في ان تحفز عقلي المكبل على التمرد على الموت، لكن بلا أمل.

ها أنا أصارع الموت الفكري، وأنحت الحروف نحتا، بصعوبة لا تطاق، أمشي داخل أنفاق مظلمة، لا تكاد قدمي تلمس الأرض، في منطقة منعدمة الجاذبية، أحاول التشبث بأي بارقة ضوء. كنت متعددة المواهب والمهارات في مجالات مختلفة، أقرأ بحصافة وأكتب بسعادة، وأرسم على ضفاف الروح، وعلى حين غرة فقدت كل شيء، أصبحت القراءة مستحيلة، والكتابة حلما بعيد المنال وتخلصت من لوحات الكانفاس الكثيرة، التي كانت تنتظرني لأفيض عليها ألوان مشاعري المتضاربة.

أحاول اليوم، العودة لمسار متزن، وفي قاع القنوط من نفسي، لمعت في ذهني فكرة، قررت أن أكسر دائرة الوحشة، واستعادة موقعي بين صديقات الشعور وزميلات الفكر، لعلي أستمد القوة بالانخراط في أفلاكهن المشرقة بالعمل والإنجاز، فقررت زيارة أقرب صديقاتي، وهناك التقيت اثنتين من أكثر الزميلات طموحا. أثناء لقائنا دبّ في قلبي طموح غامر، كنت ليلتها أتحدث بلا انقطاع، تتسابق الأفكار في رأسي وعلى لساني، خطط متصارعة للمستقبل، حاولت قدر الإمكان أن أجعلها واقعية، متدرجة، معقولة ومتعقلة، كان أهمها ومعظمها يدور في فلك الكتابة، وهكذا التقيت بصفحات هذه السيرة بعد زمن طويل من الجفاء، عمره ستة أعوام غلاظ شداد، هنا حيث أشرع في فك قيود من الظلمات بعضها فوق بعض.


[1]

ربما يعجبك أيضا