الباب المكسور/6

مفكرة:

هذا هو اليوم الثالث منذ بدأت ألقي بحروفي على وجه الصفحات كيفما كان، أدفع لغتي لتسقط في دوامات المعنى، فإما أن تنقذ نفسها وتعوم، أو تغرق فيموت الكلام.

بعد صراع بين النعاس والتفكير انتزعني النوم متأخرة، حوالي الثامنة صباحا، وكنت حريصة على النوم ولو قليلا قبل ان أتجه للمشفى لموعدي مع الجراح، حيث انتقض خيط من خيوط الجراحة فتسبب بثقب ينز منه سائل دموي فاتح اللون، الجراحة التي امتنعت عن الحديث عن قصتها الليلة الماضية، اليوم يمكنني أن أعرض قصتها بإيجاز قدر ما يطيق القلب.

بدأ الأمر عام 2011، في مطلعه، حين لاحظت وجود كتلة مستديرة صغيرة ومؤلمة في الثدي الأيمن، لا أتذكر كيف انتهى بي الأمر عند طبيب الأورام، حيث تقرر أن الكتلة هي خراج مليء بالصديد وينبغي أن يستأصل. في ذلك الوقت لم تكن لدي الشجاعة للتعامل مع الأمر بمفردي، فلجأت لأختي التي تعمل طبيبة، ومنها لجراح الأورام الشهير، الذي حدد موعدا للجراحة، التي سارت على أكمل وجه.

بعد أسبوع عدت للجراح لإزالة خيوط الجراحة، وفي إجراء روتيني قابلت برفقة أختي طبيبة من فريق الجراحة، التي ستطلعنا على نتائج فحص كتلة الورم المستأصلة، وهو فحص روتيني بدوره. تفتح الطبيبة شاشة جهاز الكمبيوتر وتتصفح ملفي وهي تتبادل الحديث مع اختي ضاحكتين، ثم تنقبض ملامح وجهها فجأة!! لا أتذكر كيف أخبرتنا بالنتيجة، بأي لغة وما مسار الحوار، أتذكر فقط أختي كيف اسود وجهها، وارتمت بثقل على المقعد، وهي تحوقل، وأنا أتابع الحوار في هدوء، توجد خلايا سرطانية في الكتلة، تلك كانت النتيجة.

ألهمني الله تعالى الحمد في ذلك الموقف العصيب، بعدها خرجنا عائدتين للمنزل، وبدأت الرحلة المضنية، في مقارعة الوحش الخبيث، بالعلاج وبالصبر وبالترفع عن الشكوى، أسلمت أمري لله، وأنا أحمل الامي ما بين جدة والرياض، حيث احتضن المستشفى التخصصي بالرياض رحلتي الطويلة، وشهدت ممراته وغرفه قصة، موتي في خاتمتها محتمل، ونجاتي مجرد احتمال آخر، سنة من الرحلات المضنية، خضعت فيها للعلاج الكيماوي، ثم الإشعاعي، قبل أن تنتهي رحلتي عام 2012 مكللة بالشفاء والنجاة من قبضة الوحش!

كان العلاج الاشعاعي يتطلب البقاء في الرياض لتلقيه بشكل يومي، 28 جلسة، امتدت لشهر كامل، كان أول رمضان أقضيه خارج جدة، في فندق تابع للمستشفى التخصصي، نزلاؤه مرضى، بحالات متعددة من السرطان، نتعايش مع حالاتنا بتبادل الحديث، والقصص والحكايا، ويعزي بعضنا بعضا، في مسيرة مثقلة بالوجع. كان العلاج الاشعاعي أشد وطأة من الكيماوي، كان يجري عبر تسليط أشعة حارقة على منطقة الورم، وكنت كل يوم أراقب جلدي يحترق ويتساقط على أرض الحمام، حين أستحم بعد الجلسات، يلتهب جلدي وتخترق الحرارة طبقات جسدي، وتأكلني الوحشة، ويقتات الاكتئاب على قلبي وروحي الهشة. اعتزلت العالم، واعتذرت لأهلي عن التواصل معهم، غيرت رقم هاتفي، واعتصمت بالعزلة الاختيارية.

انتهت رحلة العلاج أخيرا، وبدأ شعري ينمو من جديد، وتنفست هواء العافية، والتزمت بعدها بالفحص الروتيني احتياطا لعودة المرض الفتاك، أحد عشر عاما مرت بسلام، قبل أن يقرر الأطباء احتمال عودته بنسبة كبيرة، تبعا لمؤشرات أهمها ظهور كتل عديدة في الثدي، يشتبه الأطباء في تحولها وتغولها لتفتك بي من جديد، فاتفقوا جميعا على ضرورة استئصال الثديين، وقائيا، ضمانا -بعد مشيئة الله تعالى- لعدم عودته، وها هي الحكاية تستدير، ونصل للجراحة التي أتحدث عنها، التي انتقض موضع منها لينز بنزيف خفيف، استدعى مني زيارة الطبيب.

وهي رحلة ممتدة من التقلب في نعم القرب من الله تعالى بالابتلاء، شد وجذب مع السرطان، أقف منه على مسافة، يترقبني وأترقبه، وأعاين رحمة الله في كل مرة أخرج من غرفة الفحص، يقرأ لي الطبيب نتائج الأشعة، ويهنئني بالسلامة.

ربما يعجبك أيضا