الباب المكسور/ 2

انتماء:

  • البنت لازم تدرس، قالت أمي
  • يمديها على الدراسة، هكذا رأى أبي
  • لا ما يمديها، كفاية خواتها تأخرن
  • طيب كم يوم نرتاح ويمدينا

صدام يتكرر في مطلع كل عام دراسي تقريبا، حيث يحرص والدينا على تعليمنا ليخلصانا من حياة الكد ومرارة الحاجة، ويمنحاننا سلاحا نتقي به ظلم ذوي القربى، أمي تريد أن تحرق المراحل، وأبي متأنٍ يأخذ الأمور بهدوء أكثر مما تتحمله أمي، وبطول بال أطول مما تحتمله الحياة. كان أوان التسجيل في المدارس، وكنت أنا صغرى البنات، أختم عامي السادس تحت ترقب أمي، تعد خطواتي نحو المدرسة، لكي ألحق بقطار التعليم في أوانه مثل بقية إخوتي وأخواتي، أقامت الدنيا ولم تقعدها، حتى اضطر أبي لقطع الإجازة والسفر بي ومعي أختي لبيتنا في جدة، حيث ننجز المهمة ونعود، لكن هذا لم يحدث، لأسباب بيروقراطية حينها، وعدت مع والدي وأختي إلى دهشة الشتاء في القرية التي نشاهدها لأول مرة، القرية التي احتضنت ولادة أمي وأبي، لكنها سريعا ما تنكرت لهما، وسرقت أحلامهما.

كان عليهما أن يفكرا في مكان يضمهم بدفئه، من دون أن يضيق بهم وبأطفالهم أحد، ذلك الشتاء، لم يتغير شيء، العقول العفنة والقلوب الموبوءة هي هي بذاتها، غير أننا كبرنا، وبدأنا نميز رائحة العفن. وصلنا في فجر إحدى ليالي شهر شعبان، في مطلع الشتاء، ولم تطلع شمس ذلك الفجر بعد، فتسابقنا للمجلس الكبير في بيت جدي، المعدّ لمبيت الضيوف، نتدثر بما تناله أيدينا من الأغطية واللحف الثقيلة، في الداخل كان الخال يكبت تذمّر النساء، ويرفع صوته مرحِّبا. صباح مطير، يعقبه صحو يغري باللعب رغم البرودة القارسة، الصغار يستعدون للخروج لرعي الغنم، مهنة الأنبياء كما يزعم ابن الخال، نتسابق مع الخراف الصغيرة ونعابثها بفضول بريء، ونعود في المساء لنستعيد تجارب النهار، ونخطط لنهار جديد.

………….

أرادت أمي دائما أن تنتمي لعائلتها، كانت تتفاخر بإخوتها في كل مناسبة، يتضاعف ذلك كلما ثار الجدل بينها وأبي، كانت مشغولة بأن تكسب احترامهم، مثل بقية أخواتها، وكان أبي يسخر من هذا الهوس، يذكّرها كل مرة كيف قللوا من احترامها دائما. في كل صيف وتحت إلحاح أمي كنا نقضي أياما في القرية، كان الصيف فرصة للم شمل العائلات، حيث يأتي المغتربون للدراسة أو العمل، ويتشارك أهل القرية الاحتفاء بهم، وتقام الولائم الكبيرة، في كل بيت. كان أهل أمي من ذوي النفوذ في القرية، شيّد جدي بيت العائلة بأفضل أنواع الأخشاب، وأقام المرازيب[1] الفاخرة تحمل سقوف الغرف، مع نقوش بديعة تزين النوافذ الحجرية الضخمة، كان يتوسط البيت فناء تطل عليه الغرف، وتحتها ما يشبه القبو، محلا لتربية “الحلال”، كانت نساء البيت يفخرن بانتمائهن لهذه العائلة، يتنافسن في إثارة إعجاب ذكور البيت وأهل القرية، بالعمل والكد، في البيت والمزارع، ويتشاركن الاحتفاء بالضيوف.

 حدث أن تلقت أمي دعوة من اخوتها للاحتفال بالأخوات القادمات من المدن حيث يقمن، أصرت أمي على أن نكون أول الواصلين، كنا نجلس حولها نتبادل الملاحظات، لم يخف علينا كيف تتجاهلنا نساء البيت، طال جلوسنا نشتم رائحة القهوة، حتى حضرت خالاتي، حينها امتدت المفارش، قدمت فوقها أوانٍ مترعة بالتمر والسمن، وضيافة خاصة تملأ صدر أمي بالغربة والإحساس بالنقص. يرافق خالاتي أزواجهن ذوو النفوذ والثراء، انكسرت أمي يومها، ولم تفارق ملامح انكسارها ذاكرتنا

في ذلك الشتاء شاهدنا أخوالي ونساءهم يحرثون الأرض استعدادا للبذار، كان الرجل الأكبر في العائلة ينهر تلك النساء البائسات المنحنيات الظهور ملتصقات بالتراب، حين ترفع واحدة منهن ظهرها لترتاح. كانت الأرض تبرق كتراب الذهب حين انتهوا من حرثها، وتنظيفها من طفيليات الأعشاب، مساحة صفراء تقطعها خطوط تركتها أسنان المحراث، لا ينافس ذلك المنظر شيء في إدهاشي إلا الحجارة المصفوفة ترتصّ في بناء متماسك لردم الأماكن المنخفضة من جوانب الجبال، لتشكل مساحات مستوية صالحة للسكن أو  الزراعة، (العراق) كان جدارا مبنيا من صخور بأحجام مختلفة، ترصف بدقة لبناء حوائط متماسكة، عصية على عوامل الزمن، تجد كثيرا منها شاهدا على عصور وأزمنة غابرة، وفي بيئة جبلية قاسية كان على الناس أن يبتكروا وسائل لترويض الجبال، لحماية وجودهم.

ابن الخال الأصغر، في سني، هادئ أكثر مما يليق بسنه، هذا لا يبرئني من الهدوء، لكن هدوءه كان يثير شفقتي ولا أعرف السبب حتى اليوم، كنت أضيق ذرعا بمزاح الكبار عن ارتباطنا، شيء من عادات قبلية، الزواج فيها لا يعني أكثر من ارتباط البنت بابن العم أو  ابن الخال، وليته لم يكن! الزواج في المجتمع الريفي محكوم بالمصالح، كان لاختيار المرأة للزواج معياران، إما أن تكون امرأة قوية البنية للعمل في الـ(البلاد)[2]، أو  تكون من عائلة نافذة تدعم مصالح العائلة. لو كنتم بيننا في ذلك الزمن لرأيتم كيف تختصر حياة المرأة في مدى مساهمتها في أعمال الزراعة ومهام البيت، تقضي التقاليد بألا يكون للأنثى اختيار، بل تكون هي الخيار المتاح، وفق مصالح أو  اتفاقات مسبقة، على أي حال اندثرت تلك العادات لكنها بقيت على ألسنة الناس، تجيء متلبسة ثوب الطرفة، ومضمرة أمنيات الكبار.

…………….

 تسمع حكايا النساء عن الولادة في الحقول، أو  على صخور الجبال، كان التكاثر في الأولاد أهم من التكاثر في المال، ماذا يعني المال في زمن الأرض فيه تساوي العرض؟ والشرف فيه يقاس بالمساحة؟ زمن البقاء فيه هو أعلى الغايات، بالكاد توجد غاية سواه، أمر معتاد أن يموت الأطفال بأمراض لا يعرفونها، كانت المرأة تؤدي الدور الأهم في مقاومة الفناء، عليها أن تحمل الأولاد، وعليها أن تلدهم سالمين برغم أنها لا تأخذ إجازة من العمل، ثم عليها تعويض الخسائر، بالولادة تلو الولادة. كان ما نسمع أشبه بأساطير، أن تصادف الولادة امرأة تكدّ في الحقل، لتلد طفلها وتقطع حبل السرة بنفسها، ثم تحمله وتعود به للبيت، وبعد أيام تعود لحياة الكدّ!

البيوت الكبيرة للعائلات الممتدة تضم عوائل الأبناء، أخوالي الستة يسكنون بيت جدي الراحل، مع زوجاتهم، وأربع جدات، الجدات يمكثن في البيت لرعاية الأولاد الصغار والرضع، وتتولى كل يوم واحدة من نساء البيت أعمال البيت، والبقية يذهبن في رحلة جماعية للاحتطاب وما تتطلبه زراعة ما يقتاتون به من الحبوب والفواكه، يعود الجميع منهكا، تضمهم وجبة عشاء مبكر على ضوء السرج، ثم يأوي الجميع إلى الفراش.

صلابة المرأة القروية لا يختلف عليها اثنان، فهي قادرة على مواجهة الحياة بسعة صدر، وبصلابة، هذه الصلابة هي قوام الحياة القروية، حيث يسافر الرجال طلبا للعمل لكل مكان، وتبقى القرية أمانة في أيدي نسائها، يحمين الزرع من الطيور والحيوانات الجائعة، ويجنين مزيدا من الخيرات بمزيد من الكد، ويصنعن الأجيال.

عانت أمي مثل نساء القرية، ومثل نساء ذلك الزمان، حياة الكد والتعب لا تختلف في المدن عن القرى، كانت في السابعة عشر من العمر حين جمعها الزواج بأبي، وقت قليل في القرية قبل أن تسافر معه للدمام. هناك عاشت بعيدة عن الأهل، خمسة من الأبناء ولدوا في الدمام، متقاربين في السن، لا أتخيل كيف كانت تعتني بهم، في زمن كان القماش وسيلة وحيدة لتنظيف الطفل، كان بيتنا لا يخلو من الضيوف، هكذا سمعت منها ومن أبي، كيف كانت تقوم بكل هذه المهام من دون تقصير في أحدها؟! ذلك أمر لا يمكن أن يدركه الخيال!

انتهت تلك العطلة بزيارة لقرية أعمامنا، حيث تعرفنا بجذورنا وأهلنا كما كان يقول والدي معتزا بهم، كان خليط من الاعتزاز والانكسار يمتزج في عيني والدي حين ركبنا السيارة في طريق السفر عائدين لجدة، لكن عيني أمي محتقنة بدموع لم نعرف لها مثيلا قبلها.

……………………………….

لم تكن أمي من السيدات المدلّلات، سمراء دقيقة الملامح، جبينها الصغير يشع بنور لا مثيل له، الا ذلك الذي يشع من عيني شيماء، ابنتي التي ورثت استدارة وجه أمي وشفتيها الدقيقتين وشعرها الأسود الفاحم. كانت أمي مكتنزة الجسد، ومكتنزة أكثر بكثير بالهموم الكبار. كانت تحملنا لبيت جدي كل صيف حيث تبتلع الكلمات المسننة، والهمز واللمز، لكنها لم تنس عهدها لنفسها ولنا، بأن نعود للقرية يوما ما في بيتنا!

 لم يكن البناء ميسرا فقد اختار أبي لبناء بيتنا بقعة صلبة على صدر جبل من الجبال المحيطة بالقرية، تابع المقاول بناء البيت مقابل كلمة من أمي، لكن كلمة أمي تساوي قاموسا يرطن به ألف رجل، الجميع يعرف هذا، والجميع ينحني لعظمة أمي وكفاحها المقدس في تربية عشر أنفس وواحدة، تربية يضرب بها المثل.

هذا هو بيتنا الصيفي، ست غرف موزعة على قسمين، وشرفة تحيط بالبيت من كل جوانبه، يطل البيت على مساحة من أملاك والدي، مغطاة بأعشاب عشوائية، اقتطعنا جزءا منها لتقف في موضعه سيارات اخوتي و من يحضر من الضيوف. كان الجزء الأمامي من الشرفة الذي يطل على القرية بأكملها وعلى جبل مهيب، المفضل عندي، أوزع وقتي فيه، بين التأمل والرسم، أو  التأمل والكتابة، أو  التأمل والسماع، التأمل كان الشيء المشترك في كل ما أفعله في صباحات القرية التي تملؤني بالدهشة.

ذلك الصيف حملت معي ألوانا وفرشاة، وكأنّ حقيبتي ينقصها المزيد من الأوراق والأقلام! كنت أطيل الجلوس في شرفة منزلنا الخلفية، وفي مقابلها صدر جبل لا أملّ من النظر إليه، وفي يدي أقلام التلوين وكراسة الرسم، منزلنا في القرية يتكون من قسمين، أحدهما مؤجر لساكنين من أهل القرية نفسها، والآخر نقضي فيه أياما في الصيف، تلبية لرغبة أمي، فقد كان هذا البيت حلم حياتها. جدتي تفتتح صباحنا مبكرا، تطرق الباب الحديدي بحماسة، حاملة في سلتها خليطا من العنب والتفاح والمشمش، تنتظرها أمي بدلّة القهوة في الشرفة، تصر جدتي على أن توقظنا جميعا مبكرين، وترفض أمي أن تقلق منامنا، فتشاغلها ساعة من الزمن، قبل أن تنطلق ليومها المزدحم بالمهام.

جدتي (زوجة خال أمي) لم تحمل أمي في رحمها، بل استقبلتها في قلبها، وأحاطتها بالحب والحنان، أكثر مما فعلت مع أبنائها بالدم. ذاقت أمي ويلات اليتم مبكرا، فقدت والدتها قبل الفطام، وأباها قبل أن تتم السادسة من العمر، فانضمت لبقية إخوتها وأخواتها تحت وصاية خالي الأكبر، وكان جدي لأمي قد توفي عن ثلاث زوجات، ترعى كل واحدة منهن أبناءها الأشقاء، في حين عاشت أمي يتمها المبكر وحيدة بلا أشقاء تصطفيها الوحشة والخوف، حتى قرر خالها أن يحتضنها في بيته، ويربيها مع أبنائه، وفي بيت خالها عرفت أمي حنان الأم، ورعاية الأب، ودفء العائلة، العائلة التي لم نعرف سواها، في جحيم الجحود والنكران الذي لم ينته أبدا، من أقارب الدم، من تنكروا لأمي وتبرؤوا منها في أحلك أيام العمر.


[1] عامود من الخشب المنحوت المزخرف يمتد للسقف ويدعمه

[2] اسم يطلق على الأراضي الزراعية

ربما يعجبك أيضا