أرجوحة:
أعود اليوم مجددا، أجدد العهد بذاتي، أتقبل مصيري، بين نوبات الاكتئاب والهوس أتأرجح، يتقاذفان عقلي وروحي كما كرة خفيفة هشة. أتنفس الصعداء في هدنة مع الزمن، ابني البكر يعمل في منطقة نائية، بعد تخرجه في جامعة مرموقة من جامعات الوطن، وابنتي الصغرى تخرجت حديثا في جامعة راقية أخرى. ينظر لي الآخرون بغبطة، ها قد قطفت ثمار جهدها وثمن تضحياتها. كبر الصغار، وتتراءى أمام عيني صور طفولة قاسية، يقاومون الدموع كل وداع، في زيارة أسبوعية خاطفة، وقد فرقتنا صروف الزمان ثماني حجج من الوجع المسنن، حرمتني البهجة بطفولتهم في أحضاني، وحجبت عنهم كثيرا من الحقائق عني، حتى احتجنا للتعارف من جديد بعد العودة المنتظرة.
استعدت -أولا-ابنتي بعد صراع في ردهات ساحات القضاء، كانت مغامرة غير محسوبة العواقب، كنا نسقط في دركات من الجحيم: جحيم الفراق بين روحين حقهما الاجتماع، وجحيم الخوف من الفشل وتقبل عواقب الانتقام الذي سيكون رهيبا. طفلة منكسرة، قتلت طفولتها الوحشة، بعيدا عن حضن أم ترى فيها العالم، جاءتني بروح جافة عطشى للحنان، فأغدقته عليها، وأغدقه عليها أخوالها وخالاتها، واحتفلنا بعودتها مرارا، وهي تتفتح في كل مرة كوردة بيضاء غضة.
بعدها بعام عاد لي مهجة القلب، ابني البكر، أكمل آخر أعوامه في المرحلة الثانوية بين جوانحي، ثم سافر للدراسة الجامعية. كنت أتنقل بين غرفتيهما بخطوات جذلى مرات في اليوم والليلة، أغرق في احتضانات طويلة، وأتأمل وجهيهما بدهشة واغتباط متجدد، لا أزال أعيشه كلما جمعتني بهما جلسات المساء، أتلذذ بشعور التنفس بعد اختناق غرق! خاض ابني غمار العمل، في منطقة نائية، بيننا مئات من الأميال، كان قرارا مؤلما تحكمه ضرورات المستقبل، استتب الأمر واعتدت العيش على أمل اللقاء بين الوداعات.
بعد الإفاقة الأخيرة اختطفني الاكتئاب إلى نفق خفي لم ألحظه في غمار البهجة والحماس للإنجاز، وطال الأمر شهورا، أهرب للنوم الطويل، ويكتنفني شعور باللاجدوى، وذهول طويل وممتد، أعقد مع الأيام هدنة مفتوحة الزمن. قرر مهجة قلبي أنه حان الوقت ليكمل نصف دينه، فبدأت رحلة البحث عن الفتاة التي سأحبها بقدر ما تسعد ابني، وكانت رحلة متعبة حتى عثرنا على لؤلؤتنا، في بحر النفود الكبرى، في الرياض، وشيئا فشيئا وجدت سحب الاكتئاب القاتمة حول عقلي وقلبي تتبدد، قضيت أجمل أيامي على الإطلاق وأنا أتأملهما يمسكان بأيدي بعضهما، تطير بي سعاداتي إلى آفاق لم أعرفها يوما.
أتبادل العهود والمواثيق مع عقلي، يفلتني تارة، ويحبسني تارات، تعصف بي أعاصير الهوس، أياما وليالي، ويخطفني الاكتئاب شهورا، ثم يعتقانني فترات بينهما، في دورة من تقلبات المزاج تشبه فصول السنة، لكني متصالحة اليوم مع ذاتي، أحاول أن أجعل تأرجحي بينهما رحلة ممتعة بين شجن الاكتئاب ودهشة الهوس، ألم شتات نفسي بعد كل سقوط وأمضي… بانتظار موعد جديد مع الحياة.