القصة:
لم أفكر وحدي في كتابة قصتي، كل من عرفني عن قرب طلب مني ان أكتبها، كانت هذه طريقتهم في مواجهة الغموض الذي يغلف حياتي، الجمع بين تناقضات حادة، حيث تولد السعادة من رحم الحزن، وحيث تخبئ الأفراح فجائع، وحيث يتلبس القدر بلباس الصدفة، وحيث ترتفع حوائط هائلة بين تفاصيل حياتي وبين سنن الحياة التي يألفونها! الكتابة ليست علاجا نفسيا كما يزعم المعالجون وأتخيل أنا، الكتابة مغامرة، لا يمكن الخروج منها من دون خسائر، وأنا مصرة على اجتياز عتبة العشر صفحات في روايتي، أتخيل أني سأقلب عشر صفحات من معاناتي مع الوقت، الوقت الذي لم يقطعني ولا أنا قطعته، نتبادل سكونا سرمديا. عشر صفحات من الزمن ستمر إذا مرت من فوق شراييني، تعتق منها الحياة المحبوسة.
زارتني أختي في بيتي، ومعها صديقتها، استيقظت لأجدهما يتشاركان ابريق قهوة في الغرفة المجاورة، شاركتهما جلسة صغيرة، والكآبة تطفح على وجهي وتتمشي في شراييني، أكاد أجرّ أقدامي جرّا وأنا أمشي. أعطتني الطبيبة وصفة لمهدئ، حبات معدودات، لم أتناوله رغم حاجتي له، لأني وعدت ألا أستخدمه إلا للضرورة، ولأني أعرف أن ضرورات أكثر تنتظرني كنت أبخل به على نفسي. والبارحة كان ضرورة قصوى فقد جاءني اتصال محير، اتصال موضوعه مصير أسرة، لا ينبئ عن شيء، أسرة تعيش على ضوء شعلة خافتة، لا هي تدفئ ولا هي تضيء، كان علي أن أختار وأنا أحسم مصير هذا الارتباط، بين نفسي وبين أطفالي، أمران أحلاهما مر، كان اسمي مسجلا في كشوف العيادات النفسية، وعلى خطوط ساخنة مع مرشدين أسريين، أبحث عمن يختار بدلا مني، لأحمّله تبعات الاختيار، أنقذني أحدهم، أدخل الزمن في المعادلة فوضعت يدي على أحلى الأمرّين، أدركت أن أطفالي أحوج مني للنجاة. الأصوات المرتفعة كان تعني لهم الخوف، حتى لو كانت على سبيل المزاح، كانوا يهربون من الحب، الصوت المرتفع يعني أن عليهم أن يختاروا، كان الاختيار سكينا تحز براءتهم يوما بعد يوم، أدركت أخيرا أن علي انتشالهم من جحيم الاختيار، سقطت الحيرة، عرفت الطريق وشرعت في السير.
دعت أختي صديقة أخرى لمنزلي، فانبعثت في المنزل البارد حياة يفتقدها، كانت خادمتها تحضر الشاي والقهوة من منزلها في الطابق السفلي، وتشاركنا القهوة وجلسة ظريفة، حول حكايات الصديقات الثلاث مع المديرة والطالبات في المدرسة، وشجون أخرى، لم تخل من الثرثرة حول الأزواج وشقاوة الأولاد، وحين جاء دوري وضعت قاعدة صارمة، “الخيانة خلقت في هيئة رجل”، قلتها بصوت لا تتميز فيه السخرية من الاحتقار، نقطة على السطر.
ربما توجهون لي اتهاما بالتحامل على الرجال، لكن نظرتي للرجال ليست من شأنكم، كل ما بيني وبينكم هذه السطور، وهي سطور لا أريد التحكم بها، لا يمكن أن تفقد مرونتها حتى تكتمل مهمتها، يجب أن تتحمل تضاريس الحكاية. تجربتي في الكتابة فقيرة، أنا التي لم تعرف من الحياة أكثر من جدران مدرستها المزينة بالآيات، وحين اتسعت الجدران، كانت أسوار جامعة مسيجة من جميع الجهات مثل سجن. لا أحكم على أحد، محايدة حتى النخاع، لا حدود، الأشياء تتشارك فضاء واسعا بلا سياج، لا أحكم على شيء، ولا أبالي بأحكامكم، الكتابة ليست خيارا، إنها مصير، علي أن أصل إليه، لألتقي بذاتي وجها لوجه، لكم السطور ولي قدري!
……………………………………
كان على أختي الكبرى أن تسافر، أوصتني بالمكوث في منزلها مع ابنها، لأعتني به، وإن كنت آمل أن يكون هو من سيعتني بي، فأنا في حال من التردي لا قاع له، ألوذ بالشعر، أفرغ فيه ثقل الوجع المزمن، أتذكر أول غرامي بالشعر، في مكتبة المدرسة الثانية والأربعين الابتدائية، بجدة، في الصف السادس حين كانت حصة المحفوظات والأناشيد أجمل الحصص، فيها تقف معلمتي المبدعة “أبله نورة” عند أبيات النشيد، وتستعرض بشغف معاني الكلمات وقوافيها وتتجول بنا في صورها كما لو كانت عالما موازيا تتزاحم فيه الصور، علّمتنا متعة الاكتشاف، كنت أنام كل ليلة على ما اكتشفته من روائع اللغة، أحنّ لدهشة الاكتشاف.
في المرحلة المتوسطة نضجت لغتي ونمت لي أجنحة في عوالم اللغة، مع معلمة اللغة العربية “أبله تحية”، التي أخذت بيدي لعوالم جديدة، منحتني الأدوات، ثم انطلقت وحدي، أجمع قصاصات من القصائد من زوايا الصحف، أقف مذهولة أمام الكلمات، الموسيقى، رنين القوافي، عرفت لاحقا أني لم أكن أول من يخطو على تلك الأرض، لكني على الأقل اكتشفتها وحدي، بدون مساعدة، بعيني طفل، ولا يزال مذاق الاكتشاف ينعش قلبي. كنت أختار الدفاتر المزخرفة، أسجل فيها قصائد صوتية لعبد الرحمن العشماوي، الشاعر الذي كانت تملؤ قصائده صفحات الصحف، وفي أشرطة الكاسيت التي كانت وسيط التواصل الوحيد في أواخر الثمانينات الميلادية، كنا ننتظر الجديد مما تحمله، من محاضرات وأناشيد، ونتبادلها بشغف، وكنا نفرغ تلك المواد لتكون مادة مكتوبة في متناول اليد للرجوع إليها، قضيت أجمل أوقاتي بجانب جهاز التسجيل، أستمع إلى قصائد منشدة، دخلت معها لعالم الشعر الرحيب، وتجولت في عالمه أكتشف تلك اللغة المختلفة، كانت القوافي والجمل الموزونة الموسيقى الحلال في ذلك الزمن.
انحنيت مرة على دفتري المنمق، أسجّل كلمات الأمير بدر بن عبد المحسن:
أعلق همومي على مسمار
مدقوق فيه جدار
صار له سنين يطيح
وما امداه
غنيتها مئات المرات، ولا أزال أفعل، اخترعت الحواشي، امتلأ دفتري بملاحظات، تلذذت بها حتى اللحظة، أحاول توثيق دهشتي للزميلات في المدرسة، لكني لم أتذوقها مثل اليوم، حيث ثقل همومي لم يعد يحمله شيء ولا مسمار البدر.
………